لا أدري كيف تعودت في الشام والبحرين علىشرب شاي (الليبتون)، ولكنك بعيداً عن وطنك الأول تُفرض عليك أمورٌ قد تكون ما مرّتبخاطرك يوماً، ويكون حنينك لأبسط الأشياء وهاجاً قوياً، فكيف إذا كنت في البحرين،والناس فيها يلهجون بذكر العراق وما فيه بكرة وأصيلا. في كل يوم أجد، هنا،من يذكرني بالشاي العراقي.. الحنين لدى البحرينيين للعراق وللشاي العراقي يظهرجلياً كلما شربوا الشاي وقارنوه بالشاي العراقي، ولا أحسب أن شعباً من شعوب الدنيايعرف كيف يعدّ هذا الشراب الساخن مثل شعب العراق، كما لا أظن أن شعباً من شعوبالدنيا لديه طقوس وتراث للشاي كالتي عند العراقيين، على الرغم من أنهم عرفوه معالاحتلال البريطاني لبلدهم عام 1914، في حين عرفه الصينيون قبل آلافالسنين. ويقول مؤرخون إن أول من عرف الشاي هم الصينيون قبل آلاف السنين، ثماكتشف روبرت بروس، وهو ضابط بريطاني كان يعمل في شركة الهند الشرقية، نبتته فيإقليم آسام (Assam) الهندي عام 1832. أما موطن الشاي فهو سيلان والهند وكينيا وروسياواندونيسيا وإيران وشمال العراق. ويعدّ شاي سيلان من الأنواع الجيدة، وزراعته تحتاجإلى أرض جبلية رطبة. يقول الروائي العراقي محمود سعيد المقيم في الولاياتالمتحدة عن سر جودة إعداد الشاي العراقي: (فهم "العراقيون" لا يقدمونه "فطيراً" خفيفاً كالسوريين واللبنانيين وأهل الخليج، ولا عميق اللون يؤكسده الغلي الطويلكالمصريين والسودانيين، بل وسطاً رائقاً صافياً مخمراً بتركه بضع دقائق قريباً مننار خفيفة جداً عند ذاك يبدو للشاي طعم رائق حبيب لا مثيل له. وربما يعده الشعبالمغربي وحده على طريقة مماثلة للعراقيين لكنهم لا يتركونه مدة كافية كي يتخمربعيداً عن النار. ولحب العراقيين الشاي احتفظوا باسمه واسم أدواته الأجنبية كلهاكما وردت لهم من غير تعريب. فهو يقدم بزجاجة يطلقون عليها الإستكان. فماأصل هذه اللفظة؟) يجيب سعيد عن سؤاله: (كل العرب يستعملون كلمة قدح أو كأسللزجاجة التي يصّب فيها الشاي إلا العراقيين فهم يستعملون كلمة (استكان ) ولا يعلممعظمهم من أين أتت؟.. قبل مئات السنين كان الكأس الزجاجي الصغير يصنع في روسيا، فيمنطقة تسمى استراخان. وكان يوجد في المدينة نفسها معمل للسكر يطلق عليه العراقيون "القند"(ربما من كلمة Caned Sugar )وعندما جاء الشاي في بداية القرن العشرين إلى العراق، استورد العراقيونالسكر من استراخان لاستعماله مع الشاي، ووجدوا تلك الأقداح الزجاجية الجميلةفجلبوها هي وأطباقاً صغيرة جميلة جداً توضع فيها الاستكان مع السكر، ثم جلبوا معهامن المكان نفسه "السماور" Samaver فاتخذه الأغنياء وسيلة لإعداد الشاي. أما الطبقةالوسطى، فكانت تستعمل إنائين لإعداد الشاي، واحداً لغلي الماء أبقوا لفظهاالإنكليزي كما هو "الكتلي"Kettle ، والثاني لتحضير الشاي ويجب أن يكون من الفخار الصيني،ويطلقون عليه "قوري الشاي" وهي لفظة صينية محرفة عن اسم إمبراطور صيني كانت تلكالقوارير تستورد في زمانه، بينما يطلق العرب جميعهم لفظتين عربيتين على ذلك الإناءإحداهما: إبريق الشاي. والثانية براد الشاي. وهكذا نرى أن العراقيينينظرون إلى "الجاي" نظرة أشبه بالتقديس، وتغيير الاسم هو نوع من التزييف، ولما كانالمقدس لا يقبل التزييف فلذا أبقوا على الأسماء الأجنبية كما هي عليه احتراماًوتقديساً لهذا الشراب اللذيذ. (إنهم يلفظون كلمة جاي كالصينين بالجيم Chai لا بالشينكبقية العرب(.لذلك بقي كل ما يتعلق بالجاي على اسمه العجمي: الجاي "صينية" بدل الشاي. السماور "روسية" الكتلي إنكليزية بدل براد. القوري صينية بدلإبريق. القند فارسية بدل سكّر. الخاشوقة = تركية بدل ملعقة الشاي الصغيرة. لكنهم احتفظوا بلفظة عربية واحدة من أدوات الجاي مداهنة كي لا يغضبوا لغتهم الأم "اللغة العربية" وهي لفظة الصحن الذي يوضع فيه الاستكان، فأبقوها عربية: صحن.. وفي أربعينات القرن الماضي اشتهرت أغنية عن الشاي ومازال العراقيونيرددونها إلى الآن، تقول: "خدري الجاي خدريه عيوني المن أخدره.. مالج يبعد الروحدومج مكدرة.. أحلف ما أخدره ولا أقعد كباله.. إلا يجي المحبوب وأتهنهبجماله". إنها تحكي قصة حبيب يطلب من حبيبته إعداد الشاي، فيقول لها: أعديالشاي ياعيني. فتجيبه الحبيبة: يا عيني لمن أعدّه؟.. فيسألها: ما لك يا روحي مكدرةعلى الدوام؟.. فتجيبه أقسمت أن لا أعد الشاي ولا أجلس أمام موقده إلا إذا جاء حبيبيلأتهنأ بجماله). وكان أبدع وصف للشاي هو ما جاء على لسان الأديب العراقيالكبير الراحل ذو النون أيوب وهو (الشاي خمرة الكادحين). ولكن حتى الشايالعراقي فقد طعمه الآن في العراق في ظل احتلال مقيت وهو لن يستعيد هذا الطعم إلابزوال الاحتلال، لأن أجمل ما في شرب الشاي في العراق هو اجتماع الأحباب والأخوانوالأصدقاء، فكيف سيتحقق ذلك وملايين العراقيين اليوم في بلدان الشتات، وما زالتالأغنية العراقية تقول: (أحلف ما أخدره ولا أقعد كباله.. إلا يجي المحبوب وأتهنهبجماله)؟.