متى تستسقي أحرف الكلمات عناوينها الحقيقية , من غيث السيل العارم ومجمل المسميات الجديدة , إن المخلفات التي تركتها السنين الغابرة , والتي خطت العناوين برموز وهمية , أمست ركاما يخبئ اللظى تحت إبطه ... تسارعت ضربات قلبه , وهو يُهمش خطابه بالكثير من الأحرف , والذي نوى أن ينشره في صحيفة النوايا الطيبة , تلك الصحيفة الجدارية التي انبثقت لتكون منبرا لهواجس مرضى الهاوية .. ولكن إلى أين ؟
شعر بينه وبين قريناً له , أن الحياة بين أسوار وجدران عالية هي الملاذ الأخير والواقعي , لكل من يطمح أن يتكلم بمنطق العدل والمساواة , وأن زمن المطاطية الذي أكتسح المجتمعات بات يلسع كل من تسول له نفسه بالانتقاد , لذا كانت المعتقلات والمستشفيات لمرضى الهوس والجنون بحب الوطن , وأمست وسيلة للنفي والخلاص , خلال نواقيس رأت نفسها ملزمة بالدق دون ساعات صلاة , لتعلن إن الخطيئة يمكن أن ترتكب حتى في لحظات خشوع وبين يدي الله , وإلا ماذا يسمى البيع والشراء بربا مضاعف وبصفقات مدلهمة السواد في وضح النار ؟!! أو نشر الفساد بين مفاصل الجسد الواحد وجعلها تشكو من سَوَفان مزمن , أما العلاج فحجج واهية , ترتمي بأحضان وسيلة يسمعها من لا يكترث لبلاهة مُحدث خَرِق الناموس , ثم وقف صامتا يَستَرِق السمع لإزالة بكارة طهارة الحياة التي يحياها الإنسان المؤود بحكم الخارطة الجغرافية , في تلك الأثناء كانت ورقة الخطاب قد بدأت الأحرف فيها بالزحف نحو خطوط مسطرة , لتصطف وتكتب هواجس غامضة , أومأ القرين له أن يتطلع إلى تشكيل جُمَل , هكذا خيلت له بطانة عقله , أجفلت الآمال في داخله رعبا من خوف تشكيل جمل , وأرادت أن تقفز خارج شبابيك مغلقة بأسلاك وقضبان , هولاً من اتهامها بالتحريض على سياسة السلطة , خرجت جريا مُنسَلة عبر قشعريرة واهتزازة رعب , قبض بكلتا يديه على الخطاب , وأطبق على أنفاس حروف جُمَل , حتى وصل بها الأمر إلى أن تكون شبه ميتة , لتُرمى مع باقي وريقات ضمت أوجاع ومنغصات الواقع المُر ... فجأة تذكر البسملة , أمسك قرينه بيده وقال له .. لا تخف إن الحروف تلك هي المَعبَر ولا تظن أبدا إنها تموت , هي الباقية في الأول والآخر,أما غير ذلك فهي مجرد كلمات قد تودي بك إلى الحياة , وقد تودي بك إلى الموت , فعليك الاختيار , إما الخروج مع تزويق حروف ومسميات جديدة بلافتات خطت بأحمر شفاه , أو التعبير بحروف تُرشَق بها وتوسم بالإلحاد والجنون والتحريض , لأنك مسست الجذر الذي يتغذى عليه خبث ذلك الركام , المخبئ تحت إبطه لظاً يحرق من تسول له نفسه اللعب مع الكبار , لذا أنصحك أن تكتب ما تريد بحروف لا يمكن أن تكون لك , ولكنها تعبر عن ما ترمز له , بشكل تعكس لقارئها وجهة نظرك وما تريد قوله , كما أنها تكون ذات لسعة بسوط آخرة , وأنظر هناك .. لقد حان وقت تعليق الخطابات الورقية على اللوحة الجدارية , إنها صحيفة الهواجس والنوايا الطيبة , تذكر أنك بعيد عن دائرة الاتهام ومن أصابع السلطة . كان فعلا الوقت قد أزف , وعليه أن يعلق خطابه ليُنشر على تلك اللوحة الجدارية , فتح قبضتيه عن الورقة , تنفست الحروف رائحة الحياة من جديد , أخذ أصابعه ترصف الحروف من خلال قلم , وأكمل سطوره من حيث انتهى , وكتب لذا ( خلق الله الإنسان عجولا ) , وجعله يتخبط دون شعور وخلق لنفسه هالة من البهرج الكذاب ليصفق له الذباب , كما خلق الله البشر , بعضهم لبعض عدو , فتكاثرت الحروب والكوارث وأصبحنا نعيش في هاوية من الجحيم الدنيوي لأن المصالح تحكمنا , ومع ذلك لا زلنا نحمل شعارت دينية ودنيوية , لنوهم أنفسنا أننا الأفضل , ومن خلال لافتات وعناوين ومسميات مختلفة الألوان , نسينا قول الله ( أن الأرض يرثها عباده الصالحين ) , كما أني أرى ان العالم الخارجي المفتوح به من المجانين الكثير , ما يربو على هذا المكان الذي أحيط بأسوار وجدران وأشكر الله انه لا يحمل سوى لافتة واحدة دالة عليه وهي ( مستشفى الإمراض العصبية ) .