د. صباح علي الشاهر
في أواسط عام 1990 كانت صوفيا تعج بالفوضى. كان الصراع على أشده بين الإشتراكيين والديمقراطيين الجدد، الذين ظهروا فجأة على السطح، ومن رحم الحزب القائد أحياناً .
ثمة شيء أو أشياء تُحنط الحزب الذي هيمن على السلطة نصف قرن من الزمن، جعلته يتردد في إتخاذ ليس القرار المناسب، وإنما أي قرار . سيتكرر هذا المشهد في العديد من الدول المشابهة ، بنفس الصورة ، وبنفس الإخراج ، وسيصل في نهاية المطاف إلى نفس الهدف .
من يسمون بالديمقراطيين الجدد، وهم خليط غير متجانس من البشر الناقمين ، الموضوعين قسراً على الهامش، والمحرومين من إبداء رأيهم يتقدمون بإنتظام أحياناً ، وبفوضوية مقصودة أحياناً أخرى، أما الإشتراكيون الماسكون بالسلطة فقد كانوا محنطيين ، لا يملكون من أمرهم سوى الإنتظار . وليس من الصعب معرفة إنتظار ماذا !
وإلى الجوار حيث يمتد الشقيق الأكبر على ربع مساحة العالم كانت البيروسترويكا تواصل سيرها الحثيث، بالتدريج أحياناً ، وعلى نحو شديد التسارع في أحيان أخرى، في الإنحدار إلى الهاوية ، إذ أن ما سُمي باعادة البناء لم يكن عملية تهديم وبناء ، بل كانت عملية تقتصر على التهديم فقط ، من دون حتى تصور محدد لما يكون عليه الأمر ما بعد هذا التهديم ، وكان الإنجاز الوحيد هو العلنية (الغلاسنوست ) التي كُرست لكشف فضائح وفساد النظام ، في حين كان غورباتشوف يُمني الناس بعهد جديد من دون أن يخطو خطوة عملية ، وملموسة لبناء هذا العهد ، هذا التمني جعل حتى أشد الإشتراكيين حماساً وحذراً ينتظر حدوث شيء ما، لكن ما كان منتظر الحدوث لم يحدث، ومثلما الأمر في الأماكن الأخرى ، كان الأمر في بلغاريا أيضاً ، حيث كان الإشتراكيون يتراجعون، في حين كان الخصوم يتقدمون، يملؤن الشوارع وساحات الجامعات والمعاهد .
مشهد لخص لي جوانب من المسألة التي كانت مُلتبسة ، عندي على الأقل في حينها . كانت الشوارع ملأى بالناس الذين يطالبون بالحرية والتنوع . كل يوم يمر كان يضيف للحشود حشوداً، ربما إنهار جدار الخوف، إذ لم تعد الشرطة ولا (المليتسيا) تخيف أحدا. لقد شُلت، ولم تعد قادرة، لا على فعل شيء، ولا على إخافة أحد .
أصيب القرار السياسي بالشلل، إذ لم يعتد قادة الحزب والبلد على إتخاذ القرار من دون إستشارة الرفيق الأكبر، وهم لا يدرون ما هو القرار الذي يرضي أو يغضب القائد القابع تحت قبة الكرملين، ذاك الذي كان مشغولاً بإدامة حضوره الكاسح في وسائل الإعلام الغربي، والذي صوّر على أنه أكبر زعيم ليس في تأريخ الإتحاد السوفيتي، وإنما في التأريخ العالمي .
كانوا يتصورون أن غورباتشوف لن يخذل بلغاريا، وإن بيروسترويكاه ستنتصر بحيث تجعل البلغار يحصلون على الإثنين معاً، الإشتراكية والديمقراطية ، ولكن البيروسترويكا لم تخذل بلغاريا فقط، وإنما خذلت مفجرها، ودفعته إلى المقاعد الخلفية بعد أن رأى بأم عينيه إنهيار المعبد على من فيه .
الـ ( به سه به) والـ ( سه ده سه) مصطلحان أصبحا على كل شفة ولسان بلغاري . كان أحدهما يستعمل كل وسائل الهجوم ، والآخر يلوذ بالوهم .
في قاعة فارهة تابعة للحزب الشيوعي البلغاري عُقد تجمع إنتخابي كبير لمناصري الحزب، في حين جعل المعارضون من شوارع وباركات العاصمة ميادين لتجمعاتهم الإنتخابية، وكانت وسائل الإعلام الغربية تنقل صور الأمواج البشرية في الشوارع ، في حين تنقل بين الفينة والآخرى في قاعات مغلقة من قاعات الحزب خطاب هذا الزعيم المترهل أو ذاك .
في هذا الإجتماع الإنتخابي الكبير كان القائد والخطيب المفوه يتحدث عن حتمية الإنتصار . أما لماذا سننتصر حتماً، فذلك – على رأي الخطيب - لأننا نحن على اسوار الصين نبني الإشتراكية، وفي غابات فيتنام نجترح المعجزة . لسنا وحدنا . نحن ملايين في آسيا وملايين أخرى في أفريقيا ، وكذلك في أوربا والأمريكيتين، بابلو نيرودا منا، وفيكتورا جارا يصدح باسمنا ، نحن الأمميون حركة جبارة ستكتسح العالم القديم الآيل للسقوط!!
كان النظام البلغاري هو الآيل للسقوط ، وكان الآخر يستحضر أممية من نوع آخر ، سيتصاعد إستحضارها فيما بعد ، أممية تقدم ديمقراطية مصدرة ، مُسلفنة ، ولا بأس إذا كانت مجنزرة ، ولم يكن من المستغرب من أن يلتحق أمميو ألأيدلوجية بأممية الخلاص الجديدة ، ويكونوا من اشد أنصارها . لقد تعددت الأمميات والهدف واحد .
لم ينهض بابلو نيرودا من قبره لينشد شعره وسط جموع البلغاريين، ولا صدحت قيثارة فكتور جارا بأناشيد الثورة .. هذا القائد المنتظر للدعم الأممي لا يعرف من أين يستمد المنتصرون إنتصارهم . وذلكم هو جانب من جوانب المشكلة .
وتغيرّت بلغاريا . إنتصر الشارع بدعم أممي مُريب ، وإنهزم النظام السارح في الوهم .
هل يعني هذا إن الأممية وهم ؟
كلا الأممية قيمة ، لها فعلها ودورها ، وهي مطلوبة ، فأن تكون أمميا في هذا العالم الكبير الصغير فهذا يعني أن إنسانيتك ( وهي قيمة علياً ) تتجلى بأجلى صورها .
لكن الأممي ليس شحاذا يطلب العون من الآخرين، أو يضع حمله على ظهر غيره ، إنما الأممي هو من يساهم في إعلاء شأن الإنسان في العالم ، أي كان لونه أو جنسه أو دينه . مثل هذا الفعل أو العمل وأن بدى نصرة للغير ، لكنه في الحقيقة نصرة لمجترحه ، للإنسان الذي هو جوهر واحد في هذا العالم .
واحدة من القضايا التي غلفها الوهم ، وأخفى حقيقتها هي المسألة الأممية في الفكر اليساري ، ليس العراقي ، ولا العربي فقط ، وإنما اليسار بمطلقه.
يتذكر اليساريون القدامى بعض التبريرات التي كان يضعها قادة اليسار أمام متطلبات النضال في مراحله المختلفة . لقد كانوا يتصنعون الحكمة وهم يقررون أن المصلحة الأممية ، أو مصلحة الثورة العالمية ، تقتضي أن يتم تجاهل هذا الأمر الوطني أو ذاك ، وتلكم فرية ما بعدها فرية ، فاليساري الوطني ينطلق أولاً وقبل كل شيء من مصلحة الوطن الذي يعيش فيه ، ومصلحة الناس الذين يعمل معهم ومن أجلهم ، ولا مصلحة كائنه من كانت تعلوا على هذه المصلحة .
إبداع أي سياسي أو مناضل لا يتحدد إلا بمقدار ما ينجزه في محيطه وبيئته الخاصة، أي في ميدانه وحقل عمله، وبمقدار ما يبدع وطنياً يصبح مبدعاً أممياً ، ولن يحدث الأمر بالعكس إلا على سبيل الفذلكة والفبركة ، من قبيل خلق قادة تطلق عليهم صفة الأممية عبر تنظيمات أممية شكلية، وتلكم فرية أخرى أيضاً . فالقادة (الأمميون ) هم قادة ( وطنيون) قبل أي إعتبار، يستمدون أمميتهم من عمق وطنيتهم وإسهاماتهم الوطنية .
قلب المعادلة هذه ، ليس فقط إغتيال للوطنية وإنما إغتيال متعمد أيضاً للأممية و تشويه لها ، وإنتقال من رحاب الأممية المتناغمة مع الوطنية والمستندة عليها إلى فضاء ( الكوموسبوليتية ) المناقضة والمعارضة للوطنية، هذه نتاج وصناعة الإمبريالية والشركات الإحتكارية، ووسيلتها للسيطرة والإحتكار ، وتلك نتاج النضال اليساري الوطني المرتبط عضوياً بالبعد الإنساني الرحب .