قال إعلاميون وأكاديميون وساسة من البصرة ان ملفي الأمن والحريات اللذين شكلا سببا لشعبية كتلة رئيس الوزراء نوري المالكي هناك، يشهدان تراجعا كبيرا لا يترك أثره الشديد على الاهالي وحسب بل يرسم صورة قاتمة لمستقبل الاستثمار الاقتصادي في المحافظة التي تعد مركز صناعة النفط والتجارة الدولية في العراق.
وجاءت هذه التعليقات بعد نحو عام من اختيار الدكتور شلتاغ عبود محافظا للمدينة وهو رئيس كتلة دولة القانون التي فازت في الانتخابات المحلية عام 2009. وتقول الاوساط البصرية ان الرجل «معتدل» لكنه عجز عن مواجهة «المتشددين» في مجلس المحافظة، كما احاط نفسه بمستشارين «غير كفوئين» ما تسبب بتجميد ملف الخدمات، وتراجع الحريات النسبية التي شهدتها البصرة بعد عمليات «صولة الفرسان» التي نفذها المالكي قبل عامين لكبح جماح الجماعات المسلحة والميليشيات
.
وشهدت المدينة بعد اختفاء الميليشيات، اطلاقا لجزء من الحريات التي عرفت بها البصرة تقليديا قبل العام 2003، لكن الشهور الاخيرة شهدت اجراءات عديدة مثل منع بعض الحفلات الغنائية ومهرجانات الفن، وإعادة غلق محلات بيع الكحول التي يديرها المسيحيون، الى جانب خروقات امنية واغتيالات متفرقة، فضلا عن ملف الخدمات المتدهور
.
ويقول طالب عبد العزيز وهو شاعر معروف وصحفي يراسل عددا من وسائل الاعلام العربية، ان المحافظ «صديق للمثقفين وأستاذ جامعي نعتز به، لكنه وعد بإنشاء مجلس لأهل الحل والعقد في البصرة، بينما تمخض الامر عن هيئة مستشارين غير صالحين للاستشارة
».
وتابع في حديث مع «العالم» ان المحافظ «ورط نفسه وورطنا، ولم يحقق شيئا يذكر في المجالات الحيوية».ويرى عبد العزيز ان السلطات المحلية في البصرة «طاردة للمستثمرين الاجانب والمحليين، فهؤلاء يواجهون اجواء تشدد تخيفهم، والمال يحتاج الى بيئة معتدلة تشيع الشعور بالأمان
».
ويعرب عبد العزيز عن اعتقاده بأن الادارة المحلية التي فازت في انتخابات 2009 وحصلت كتلة حزب الدعوة على اغلبية فيها، تتضمن «معتدلين، لكن العناصر المتشددة هزمتهم وفرضت قراراتها، فتراجعت الحريات وتراجع معها الوجه المدني للبصرة والذي كنا نأمل انه عاد من جديد بقوة
».
ويتهم عبد العزيز معتدلي مجلس المحافظة بأنهم «لا يمتلكون الشجاعة للدفاع عن المدينة، فهناك كاتب انتقد ساسة التشدد مؤخرا، فما كان من عضو بارز في الادارة الا ان طلب منه التراجع عما كتب، رغم انه اكد له انه يتفق معه في الاعتراضات التي سجلها ضد المتشددين جملة وتفصيلا
».
ويقول ان «المحافظ لديه حسن نية، لكن النوايا الطيبة لا تكفي لإدارة ملف البصرة المعقد سياسيا ومذهبيا وتجاريا.. والتعامل مع فرص الاستثمار الهائلة التي تنطوي عليها ثاني محافظة في العراق» محذرا من ان «الفوضى الادارية قاسية في نتائجها، فأبو الخصيب وهي آخر الجنان الخضراء في البصرة، ستختفي بسبب فوضى العمران، ولا احد ينظم هذه الامور الخطيرة
».
بدوره يرى الدكتور عادل الثامري الاستاذ في جامعة البصرة، بأن واحدة من المآخذ على مجلس المحافظة «افتقاره للخبرة اللازمة في إدارة الشؤون السياسية والخدمية
».
ويضيف «هناك عدم خبرة واضح في معالجة ملفات الإعمار والخدمات وهذا يتبعه سوء التخطيط، فجميع المشاريع تعود للحكومة السابقة التي لم يتم إنجازها لسبب أو للآخر
».
الثامري يشير إلى وجود اعضاء في مجلس المحافظة «لا شغل لهم سوى التضييق على حريات الناس» ويتساءل بالقول «لا اعرف لماذا يقف حزب الدعوة مكتوف اليدين أزاء هذه القوى المتطرفة وهي اقلية في مجلس المحافظة؟ هل الأمر مناط بكسب ود الجميع وجعل المحافظة تنعم بالهدوء النسبي؟ إذا كان الأمر كذلك فهذه سياسة سلبية، حيث لم تتم الاستفادة من هذه الاجواء لتطوير البنى التحتية في البصرة وفرض ثقافة الانفتاح
».
الثامري يشير إلى أن حصر إدارة المحافظة بجهة واحدة واستبعاد الجهات «الديمقراطية» الأخرى أدى إلى ضعف في الإدارة والتخطيط
.
ويثير «كثرة مستشاري» محافظ البصرة التهكم بين الأهالي، ويرى أبو محمد، وهو معلم متقاعد أن بعض هؤلاء المستشارين «لايملكون مؤهلات تتيح لهم دعم وتوجيه قرارات المحافظ، كما أن اغلبهم تم تعيينهم لاسباب حزبية وشخصية
».
ويضيف «احيانا يغلب وجود المستشارين على صورة المحافظ حتى أني اتساءل هل هناك لزوم لوجوده؟». اما أبو وميض وهو ناشط في الحزب الشيوعي في الزبير، فيقول انه سمع أحد أعضاء مجلس المحافظة يقول مؤخرا، بان الجهاز الاداري في المحافظة «غير كفوء ولايعرف حتى حساب ارقام الميزانية
».
ويضيف «لم تجد البصرة او تلمس تقديم أي مشاريع خدمية ما عدا الوعود والتصريحات، وقرارات هتك الحريات والتعدي على حياة الناس
».
ويشير المواطنون إلى أن صولة الفرسان أوجدت مناخاً آمناً، لكنه «أمن هش» ويشكو بعضهم من أن العديد من افراد العصابات التي كانت تنشر الذعر والموت والفساد «تم اطلاق سراحهم بينما انسحب القسم الآخر الى جحورهم وهم يمتلكون نفس الامكانات السابقة في تنفيذ الجرائم، كما أن عمليات التهريب لاتزال مستمرة وخاصة المخدرات حيث اصبحت البصرة ممرا حيوياً لها
».
اما حيدر الزبيدي الكاتب والصحفي الذي يدير إذاعة شط العرب المحلية، فهو يبدي امتعاضه من «تدهور مشهود في الحريات العامة» قائلا ان البصرة عادت ثانية تعاني «قمع الفكر المدني وقمع الحريات الذي تنتهجه أحزاب دينية ممسكة بزمام السلطة
».
ويقول الناشط في حقوق الانسان كريم اللامي «ان المواطن البصري لم يلمس تغييرا حقيقياً وايجابياً بل حدث العكس فقمع الحريات ازداد ضراوة ولا أدل على تخبط المحافظة في السماح لباعة الخمور بفتح حوانيتهم ثم قيام مجلس المحافظة باغلاقها وكما حدث قبل شهر إذ جرى منع مهرجان الأغنية الذي نظمته وزارة الثقافة في البصرة، زائدا انتشار البطالة بين الشباب وتكدس النفايات وتدهور القطاعات الخدمية إضافة إلى غلق المسارح وخنق المظاهر المدنية».من جانبه يعزو عضو الحزب الشيوعي العراقي في البصرة عباس الجوراني ما يحصل من تراجعات، إلى عدم حصول عملية اصلاح حقيقية في الادارة بعد صولة الفرسان
.
وقال الجوراني لـ»العالم» انه لم يلمس تغييرا حقيقياً بين انتهاء ولاية المحافظة السابقة والولاية الحالية. «ففي السابق برزت جبهتان متنافستان داخل مجلس المحافظة ويبدو أن الأمر نفسه استمر حالياً». الجوراني أكد «تفاقم انهيار الاوضاع الخدمية بصورة غير مسبوقة خاصة فيما يتعلق بقطاعي الماء والكهرباء» وقال ان مدراء دوائر الكهرباء مثلا، يعترفون بأنهم لا يملكون حلولا للمشكلة، كما لاحظنا أن المحافظة لم تف بالتزاماتها تجاه الأدباء والفنانين والمشهد الثقافي بشكل عام في المحافظة وهي تعتبره قطاعا ثانوياً، كما اهملت مد الجسور مع الأقليات».