منذ ان تعرف العراقيون على مجالس الفاتحة او العزاء على أرواح الأموات ذكورا او إناثا بشكلها المعروف عندنا في أيامنا هذه، وقراءة سورة يوسف تصاحب هذه المجالس حيث أصبحت تذاع بشكل يومي من خلال أشرطة الكاسيت او القراء من خلال الجوامع او الحسينيات.
ودأب كثير من أصحاب مجالس العزاء او الفاتحة على تشغيل سورة يوسف بشكل يومي خلال أيام العزاء الثلاث، معتبرين ان عدم قراءتها في مجلس العزاء او الفاتحة يجعل المجلس ناقصاً او انه لم يكن بالمستوى المطلوب.
لقراءة سوءة يوسف في مجالس العزاء أو الفاتحة أنصار ومريدين ومؤيدين، بينما هناك من يقف على معارض، اذ لا يرى في قرائتها انسجاما مع مناسبة مجلس العزاء او الفاتحة التي ينبغي أن تتلى فيها الآيات التي تذكر بالموت أو الترحم على الميت والاستغفار له.
رأي المواطن (حيدر جمعة عبد الحسين/34 عاما/ موظفا على ملاك وزارة الصحة) قال انه يفضل بقاء قراءة سورة يوسف سواء كانت عبر أشرطة الكاسيت او احد القراء ضمن طقوس مجالس الفاتحة او العزاء، وله أسبابه الخاصة التي تجعله يبدي هذا الرأي.
موضحا ان العراقيين اعتادوا على الاستماع الى القارئ او شريطة الكاسيت وهو يقرأ او يتلوا سورة يوسف في جميع مجالس العزاء او الفاتحة حتى تجذرت هذه السورة في مخيلة العراقيين وكأنها اصبحت جزءا من موروث مجالس العزاء او الفاتحة، ولذلك اصبحت بوجه او بآخر منطلقا من منطلقات (التعلم في الصغر كالنقش على الحجر) ولذا ان استبدال هذه السورة بسورة أخرى، ربما يفقد نكهة ولون مجالس العزاء.
لكن عددا من العراقيين يعتقدون ان الإصرار على تلاوة او قراءة سورة يوسف دون غيرها من السور، قد يكون مخالفا لما ينبغي تشغيله، وخاصة انها جاءت تعالج مرحلة مهمة من مراحل التاريخ وتتناول قضية غدر اخوة النبي يوسف (ع) بأخيهم النبي وكيف أن زليخا راودت يوسف الصديق (ع) عن نفسها، في أجواء ربما لا تنسجم او تتناسب مع روح وأجواء مجلس الفاتحة او العزاء.
فالسيدة (سهلة عباس راضي/ربة بيت/ 44 عاما) تعتقد أن الإصرار على تشغيل سورة يوسف (ع) عبر أشرطة الكاسيت والتسجيل حيث تبث بشكل دوري ويومي عبر مكبرات الصوت من الجوامع، أصبح أمرا غير محبذا للشارع العراقي.
وأوضحت راضي أن معظم الجوامع تتوسط المنازل والبيوت في الأحياء السكنية وخاصة الشعبية منها، وهذا يعني أن نساءنا أصبحن مجبرات على سماع قصة النبي يوسف مع زليخا وكيف إنها هامت به غراما إلى درجة أنها تمكنت من الانفراد به وغلقّت الأبواب ثم راودته عن نفسها.
مضيفة أن هذا الجو الذي تصوره الآية الكريمة لمعالجة قضية جوهرية ومهمة من قضايا ومراحل التاريخ، ينبغي أن لا تعيشها نساؤنا، لان الغرض من السورة هو التنبيه والتحذير وتوثيق حدث ما للتاريخ، وهذا قد حصل ويمكن أن يستفاد من ذلك، بالاستماع إلى هذا النص عند الحاجة، أما أن يبث بشكل يومي وعبر مكبرات الصوت فأنه حسب رؤية الكثيرين مخالفة للمصلحة الاجتماعية العامة.
بينما يرى الناشط في مجال الدين الإسلامي سعد الجبوري انه وان كان كثيرا من المشهورات والمعروفات والعادات الدينية او غيرها ما لها علاقة بالجوانب (الاجتماعية – الدينية) لا أصل لها في التشريع الإسلامي، إلا انه لا بأس بالتمسك بهذه العادة وهي قراءة سورة يوسف في مجالس الفاتحة او العزاء.
مبيّنا انه من الثابت لدينا انه (كم من مشهور لا أصل له) وقد تكون قراءة سورة يوسف والإصرار على تلاوتها عبر أشرطة الكاسيت وعبر مكبرات الصوت بشكل يومي لا أصل لها او ليس هناك (مسوّغ) ديني إلا ان لهذه السورة خصوصية كونها ارتبطت بمجالس الفاتحة والعزاء وخاصة حين قراءتها بصوت الشيخ نامق.
وعند مراجعة كبار السن للوقوف على سر بث سورة يوسف دون غيرها في مجالس الفاتحة، فأن سر بث هذه السورة يرتبط بالحاج سوادي – حسب ما يذكره البعض- والذي كان يؤجر سرادق المأتم في مدينة بغداد في مدينة الصدر حصرا.
حيث يذكر البعض ان الحاج سوادي كان أول من استخدم مكبرات وكان لا يملك الرجل أي كاسيت لقراءة القرآن إلا كاسيت واحد طبعت عليه سورة يوسف (ع) وبعد ان وفقه الله وكان ربح هذه الحرفة جيدا وكبيرا بدأ الأصدقاء والأخوة ينافسونه والكل استنسخ سورة يوسف لأنها كانت فاتحة خير على حجي سوادي كما ينقل احد وجهاء مدينة الصدر.
رجل الدين عباس الطائي ذكر انه لم نتوقف على نص ديني سواء كان في الكتاب او السنة يلزم او يجعل بث سورة يوسف تحديدا مستحبا في مجالس العزاء والفاتحة.
وقال الطائي هذا يعني ان بث جميع سور القرآن يتحقق فيه الاجر والثواب ان شاء الله وليس هناك ادنى حظر او فيتو على أية آية او سورة قرآنية.
لكنه استدرك قائلا بيد ان هناك بعض النصوص الدينية تشير الى استحباب تعليم نسائنا سورة (النور) لما فيها ما يخص النساء الشيء الكثير، من أحكام دين وأخلاقيات وأدبيات دينية مهمة بالنسبة للمرأة.
فيما استحسن الكاسب (مشكور محمد/35 عاما) أن تستبدل سورة يوسف بأية سورة فيها الكثير من الآيات القرآنية التي تنسجم مع مناسبة الموت والترحّم على الميت والاستغفار.
مشيرا الى مجالس الفاتحة والعزاء مجالس تقام للترحم على روح الميت وقراءة سورة الفاتحة له، والأنسب لذلك ان يعيش المعزون اجواء الموت والترحم عليه، لا ان يشغلوا بالهم في آيات تحكي قصة تاريخية عن النبي يوسف وما حصل له على أيدي اخوته وزليخا وعزيز مصر وغير ذلك من التفاصيل التي قرأتها في أمهات كتب قصص الأنبياء او سورة يوسف في القران وهي تمثل أمامنا بمجرد الاستماع الى تلاوتها في مجالس العزاء.