مرّة أخرى تأبى جامعة الدول العربية إلا الكشف عن سوءتها، فتختتم لقاءها الإستثنائي ، ببيان يدعو مجلس الأمن لرفع الحصار عن غزة! إن وزراء الخارجية العرب يعرفون إن دويلة واحدة هي التي فرضت هذا الحصار، ثم آزرتها دولة عربية كبرى فأغلقت المعبر، وشيدت الجدار الفولاذي، وذهبت في الحصار شوطاً بعيداً، لم تذهب إليه حتى دويلة الكيان الصهيوني . لقد قررت إسرائيل فرض الحصار ونفذ العرب حيثيات هذا الحصار، وتلكم واحدة من الألغاز التي تحتاج إلى حل، ولم تحرّك جامعة العرب ساكناً، بإستثناء بعض بيانات الشجب والإستنكار، وهذا ما عودتنا عليه . هذه المرّة، والعالم كله مصدوم بالعمل البربري الهمجي الذي قامت به دويلة اللقطاء، لم يكن أي من أولئك البشر الذين قيّض لهم العيش على هذه الأرض الممتدة من الخليج حتى المحيط معنياً بما سيقرره السادة وزراء خارجية الدول العربية، ولا بما ستعلنه جامعتنا الموّقرة. من المؤكد أن إنتظار معجزة إجتراح الجامعة لموقف ينسجم مع جسامة الحدث، أي حدث ، حتى ولو كان بحجم إحتلال عاصمة عربية، أصبح وهماً، وحيث أن الجماهير العربية كانت تعرف مسبقاً، من خبرتها المتراكمة مع الجامعة، أن ليس ثمة شيء يمكن أن يحدث ، وأن الجامعة سوف لن تخرج عن مهمتها في تمييع المواقف إزاء القضايا الكبرى، فقد إتجهت أنظارها إلى أنقرة وأسطنبول، وإلى عواصم العالم، من دون أن تعير ما تقوله الجامعه، ولا العواصم العربية أدنى إهتمام، لقد إستقالت الجامعة من قضية العرب المركزية أو أقالتها من أولوياتها، كما نأت أغلبية الأنظمة العربية بنفسها من وجع الرأس، وحررت نفسها من عبء القضية التي كانت يوماً ما مبرر وجودها، ومصدر شرعيتها، وتركت شعوب العالم ترفع راية فلسطين وتدافع عنها، وتقدم ضريبة الدم. أضحت فلسطين قضية طيب أردوغان، وأساطيل الحرية العالمية، وبهذا التحول تصبح الأنظمة العربية، وكذا جامعة الدول العربية منتهية الصلاحية ( أكسباير)، ومع إتساع الهوّة بين الشارع والحكام، ومع إزدياد النقمة والغضب، والشعور المتنامي بالقهر وضعف الحيلة، ومع سقوط آخر أوراق التوت عن عورة الأنظمة، فإن لا أحد بمقدوره تقدير حجم ما سيحدث لاحقاً، ولا درجة المتغيرات التي لم تعد متوقعة فقط ، بل مؤكدة . جدار الخوف يتهاوى في أم الدنيا، وحراك الناس لم يعد حبيس الجامعات والجوامع، والأصوات التي كانت خافته، أو مُلمحة، باتت أكثر صخباً، حادة وعارية. أصبح الناس يسمون الأشياء بأسمائها، ويتجهون بنقدهم مباشرة إلى المقامات العليا، ويمكن تلمس مثل هذا، وإن بدرجات متفاوته، في أغلب الدول العربية. مثلما كانت فلسطين مفجرّة للإنتفاضات والثورات على إمتداد العالم العربي، ومثلما كانت موّحدة للعرب، فستعود كذلك، وهذا ما بات يدركه الكثيرون، وقد طفق بعضهم يعيد حساباته، ويتصرف بما ينسجم ويتوافق مع هذا المعطى الآخذ بالتبلور. لقد وصل الإنحدار إلى القاع، ولم يعد من الممكن تحمل خيبات أكثر، وإذلال أكثر، وعندما تصل الأمور إلى هذا المستوى ، تصبح كراسي الحكام على كف عفريت . ليست قضية فلسطين وحدها التي عجز الحكام العرب عن إيجاد حلول مناسبة لها، بل أن العجز شمل كل شيء تقريباً، بدءا من حقوق الإنسان، وقضية السيادة والإستقلال، والتنمية المستقلة، والديمقراطية، وتوزيع الثروة الوطنية، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس من المؤمل أن يتغير هذا الأمر في المدى القريب، وتلقائياً، ومن دون ضغط الجماهير، إذ أن هذا الضغط هو العامل الحاسم، ولعله الوحيد الذي سيوقف مسلسل الإنهيارات . في مواجهة جريمة الإعتداء على قافلة الحرية لم تشخص الأنظار إلى الجامعة، فذاكرة المواطن العربي ما زالت طرية، على الأقل خلال العقد المنصرم ، فالجامعة العربية لم تفعل شيئاً لمواجهة غزو بلد كالعراق، ومن ثم إحتلاله، بل أسهمت فعلياً وعملياً ومنذ أن طلبت تدخل الجيوش الأجنبية في إجتماع قمتها المشؤوم في إضفاء الشرعية على هذا الإحتلال، مثلما شرعنت الحصار، وساهم أعضاؤها بحماس فيه . والجامعة العربية لم تفعل شيئاً في حرب تموز، عندما عربد الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان. لم يصدر عن الجامعة أي موقف رادع، ولم تستثمر إمكانات أعضائها لإيقاف هذه الجريمة النكراء. وفي حرب غزة، حيث شهد العالم كله إستفراد الجيش الصهيوني المدجج بأحدث الأسلحة بالشعب الأعزل، وحيث كانت وسائل الإعلام تنقل مشاهد الموت والدمار، التي فاقت حدود التصور، لم يصدر عن الجامعة أي موقف ذي شأن . كان عجز الجامعة وشللها ترجمة لعجز النظام العربي وشلله . ما الذي يمكن أن يستثير الجامعة أكثر من إحتلال وتدمير دولة كالعراق، وإذا كان حرق بغداد والعراق كله لم يحرك سادة النظام العربي ، فأي شيء يمكن أن يحركهم ؟ وأذا كانوا يبررون الموقف من حصار العراق، وشن الحرب عليه وإحتلاله ، بكون قيادته كانت قد إحتلت دولة عربية، أو أن رئيسه كان ديكتاتوراً، أو أن نظامه كان يشكل خطراً على المنطقة، قالوا في حينه أكثر من خطر إسرائيل، وإذا كانوا قد وقفوا من حرب تموز موقفاً ليناً، وأحياناً متواطئاً مع الصهاينة، وعذرهم أن الذي يواجه إسرائيل هو حزب الله الشيعي، المتحالف مع إيران. إذا كان هذا الموقف الطائفي، هو المسبب لهذا التقاعس والخنوع ، فما العذر مع الموقف المتخاذل والخياني من حرب غزة، والذي يحكم في غزة حزب إسلامي سني؟ وإذا قالوا أن حماس حليفة لحزب الله وإيران، وبهذا يعودون مرّة أخرى للإسطوانة الطائفية المقيته، فماذا يقولون الآن عن إسطول الحرية، الذي يشارك فيه مواطنون من أربعين بلداً ؟ ما ذا يقولون عن السفينة التركية، وشهداء تركيا الأبطال ؟ ولو قامت إسرائيل غداً بجريمة أخرى، أو إعتداء آخر، في مكان آخر، وعلى دولة أخرى ، لأستنبطوا أعذار جديدة يتسترون بها على تخاذلهم وضعفهم وهوانهم. لم يعد بأمكان الأنظمة، وكذا الجامعة العربية تسويق الخنوع، ولا تبرير التواطؤ . لقد فقدت الجامعة مبرر وجودها، يوم تخلت عن مهمامها وواجباتها. ليس ثمة من يتوقع أن تطرح الجامعة شيئاً يرفع عنا ولو جزءاً يسيراً من الذل والعار والهوان، فإذا طرح العليّق رطباً طرحت الجامعة العربية حلاً .