شبكة بيدر  
اتصل بنا ارسال مقال

رؤية في تطور الرواية

28-06-2010



ارسال لصديق نسخة للطباعة

 

د. صباح علي الشاهر

يرتبط تطور الرواية عموماً بتطور وتعقد المجتمع والأوضاع الإجتماعيّة، وتطور الإنسان والعالم المحيط به والعلاقات الإجتماعيّة، ومن المؤكد أن هذا التطور لم يكن بناءً على رغبة ذاتية محضة، لهذا المبدع أو ذاك، أو لهذه الجهة أو تلك، ذلك لأن التطور في كل شيء أمر حتمي لديمومة الشيء واستمراره، وهذا لا ينفي دور الأفراد الذين يُعبرون في إبداعهم عن ضرورة التطور هذه ويترجمونها.
إن تطور الرواية ضرورة حتميّة يفرضها طموح الإنسان للتعبير الأعمق والأشمل عن الواقع الموضوعي، المتغيّر بأستمرار، بكل غناه وعمقه، وعن النفس البشرية بكل خفاياها، ولما كان الفن عموماً لا يكتفي بتصوير الواقع الموضوعي فحسب، بل يعمل على تطويره وتغييره، ليس هذا فقط، بل يستشرف آفاق المستقبل، ويعمق فهم الناس لإنفسهم، ولما يحيط بهم، ويجعلهم أكثر قدرة على رؤية المستقبل، فإنه كان من المحتم تطوير الأساليب والأدوات الفنية، وحتى المناهج بما يتلاءم والمهام المعقدة المطروحة في كل حين.
والباحث الذي يجد نفسه أمام مهمة الحديث عن تطور الرواية، يجد نفسه أمام إشكاليّة منهجيّة تتأتى بالأساس من الطبيعة الإستقلالية النسبية للفن، ومن تعقد الأواصر بين الفن والواقع. كتب ماركس في مقدمة مخطوطاته الإقتصاديّة يقول: (فيما يخص الفن، من المعروف أن مراحل معينة في إزدهاره لم تكن تنسجم البتة مع التطور العام للمجتمع، وبالتالي مع تطور أساسه المادي، الذي هو بمثابة الهيكل العظمي لتنظيم المجتمع، ومثال ذلك اليونانيون عند مقارنتهم بالشعوب المعاصرة، وشكسبير.)

ويشير ميخائيل خرابشنكو في دراسته عن مفهوم التقدم في الأدب والفن إلى كون أسبانيا القرن السابع عشر (قد إجتازت فترة من التدهور للإجتماعي والإقتصادي أعقبت النهوض الذي رافق إكتشاف أمريكا، وتطور التجارة والصناعات اليدوية وتوسع الدولة الإسبانية، وشملت الأزمة النواحي الأكثر تنوعاً لحياة البلاد الإجتماعيّة، ومع ذلك، فالتجديد خلال تلك الفترة من التدهورالإجتماعي والسياسي أنتج فنانو وكتاب البلاد البارزون أعظم أعمالهم، فيلاس زورباران، ريفيرا، سرفانتس، كالديرون، ولوي فيغا).
وفي هذا الصدد لا يمكن إغفال مثال روسيا التي كانت بلداً متخلفاً خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث تسيّدت القوى الرجعيّة السياسيّة، ولكن روسيا آنذاك أنتجت ليرمنتوف، بوشكين، غوغول، وفي النصف الثاني من القرن قدمت تولستوي، ودستويفسكي، تورغنيف، تشيخوف و آخرين، يضاف إلى هذا أن التطور السريع للرأسماليّة وكما هو واقع في عدد من البلدان لم يترافق مع نهوض متطابق في الأدب والفن، إذن لا يمكن أن يعتبر التقدم من الأدنى إلى الأعلى علامة حاسمة على التقدم في الفن، وقانوناً شاملا لتطوره. ومن جانب آخر، فإذا كان الفن عموماً مشروطاً طبقيّاً في المجتمعات الطبقيّة، فإن هذه المشروطيّة لا تتخذ صفة الإطلاق والقطع، وبالتالي فإن هذه المشروطيّة، مشروطيّة نسبيّة في أحسن الأحوال، ذلك لأن التأريخ يبين حقيقة لا مراء فيها، ألا وهي أن ممثلي الطبقات المحافظة قد يكونون، في ظروف تأريخيّة محددة، قادرين على إلتقاط بعض جوانب الواقع وبشكل صائب، وبذلك يشير إنجلز إلى أن: (واحداً من أعظم إنتصارات الواقعية يتمثل في أن بلزاك، إضطر إلى أن يقف ضد عواطفه الطبقيّة وأوهامه السياسيّة، وإن يرى حتميّة إنهيار أحبابه الأرستقراطيين، ورسمهم كإشخاص ليسوا جديرين بمصير أفضل، وأن يرى أشخاص المستقبل الحقيقين في الموضع الذي لم يكن آنذاك أن يكونوا فيه)
من المعلوم أن هناك ثمة تطوير في الأساليب والتقنية الفنية سبق المناهج الأدبية المحددة، أو مهد لولادتها، وهناك إسهامات فرديّة فرضتها حاجة المبدعين فرادى لعبت دورها في تطوير الشكل الروائي، رغم إنتماء هؤلاء المبدعين لطبقات ومدارس فنيّة رجعيّة ومحافظة، لم تكن لتؤمن بالتطور، بل هي محافظة وتقليديّة، كما لعبت المناهج الفنية الأدبية على إختلاف أنواعها دوراً بارزاً ورياديّاً في تطور الرواية، سواء بما أضاءته من فضاءات جديدة، أم ما أضافته من إنجازات على صعيد زيادة فهمنا للإنسان، وتعمق نظرتنا إليه، وهناك تطور عكسته الأحداث الثوريّة أو الإنعطافات السياسيّة في حياة المجتمعات البشريّة، وهناك الإكتشافات العلميّة الماديّة والسايكولوجيّة التي فتحت آفاقاً رحبة أمام الوعي البشري، وهناك الإضافات الفنيّة التقنية والتعبيريّة التي أو جدتها الأجناس الأدبيّة والفنيّة الأخرى، والتي إستفادت الرواية منها، وهناك أيضاً إسهامات التيارات الأدبيّة والمدارس النقديّة، وبالأخص المدارس النقديّة، التي لم تكن كما زعم العديد من الكتاب تعتاش على الكائن من الروايات فحسب، فإيرفينغ بوخن* مثلا يرى أن النقاد: (يحتاجون إلى روايات كي يكونوا نقاداً، لكن الروايات لا تحتاج إلى نقاد لتكون روايات)
إلا إن الواقع يؤكد أن النقد أسهم في تطور الرواية، ولربما سبق بعض النقاد «بلينسكي» مثلا الروائيين ذاتهم في الإضافة والتعميق والتطوير، كما أسهم المنظرون من غير النقاد أيضاً، وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى إسهامات هيغل وماركس وإنجلز وغيرهم، ليس على صعيد الرواية كجنس أدبي فحسب وإنما على صعيد الفن برمته. خلاصة القول أن الباحث يجد نفسه في حيرة من أجل تبويب بحثه في تطور الرواية، خصوصاً إذا كان الحيز المتاح له محدوداً، وهذا ما وجدناه نحن أيضاً، لذا إلتجأنا إلى الوسيلة التي وجدناها ملائمة رغم نواقصها، ألا وهي التبويب وفق المناهج الأدبيّة، آخذين بعين الأعتبار ما يلي:
1-إن هذه المناهج ظهرت نتيجة تطورات معينة في بنية المجتمع وفكره، وإن هذه التطورات كانت أساس التجديد على مختلف الأصعدة، وعبرها ومن خلالها حدث التطور على أوسع نطاق.
2-إن كل منهج من هذه المناهج لا يمكن أن يكون منفصلا عما سبقه، وهو يحمل في أحشائه بذور المذهب القادم، ولهذا فعند الحديث عن هذه المناهج لا نضع جداراً صينياً فيما بينها، ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى أن العديد من المبدعين العظام كانوا ممثلين لمنهجين فنيين في آن واحد، ومثل هولاء العظام هم الذين طوروا في شكل ومضمون الرواية..
يتبع

 
ارسال لصديق نسخة للطباعة Aliraqis Slid

الاسم :
البريد الالكتروني :
نص التعليق :
ادخل الرموز أدناه: Verification Image
 
 

ديالى

لا يمكننا وقف علاقاتنا التجارية مع ايران، ولذا فسنتأثر بالغرامات التي ستفرض علينا في حال عدم التزامنا بالعقوبات
علي الدباغ - الناطق باسم الحكومة العراقية
 استفتاء 

هل تعتقد ... العراق مقبل على نطام دكتاتوري جديد ؟
نعم
لا
غير مهتم



النتائج
 مقالات مختارة  
__________________________________________

ساهر هادي
__________________________________________

كاظم فنجان الحمامي
__________________________________________

عبدالحسين شعبان
__________________________________________

آرا خاجادور
__________________________________________

ترجم: ليلى قصراني
__________________________________________

كاظم الموسوي
__________________________________________

د.حميد عبد الله
__________________________________________

د. مهند العزاوي
 تابعونا 
شبكة بيدر على الفيس بوك
شبكةبيدر على الفيس بوك
 اسعار العملات  

 جريدة بيدر  





العدد صفر (اضغط هنا)

العدد الأول (اضغط هنا)


 الاكثر مشاهده  



اخبار العراق الفن واهله
اخبار السويد العامة و التقارير
ثقافات تكنولوجيا و علوم
كلام نواعم إصدارات
مقالات اعلانات

أرشيف الأقسام إرسال مقال
مواقع صديقة اتصل بنا
ممثليين مؤسسة بيدر من نحنُ
انتاجات شبكة بيدر RSS خدمة
ألبوم الصور إحصائيات الموقع

Wssolutions
© 2011 جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة بيدر الاعلامية .