يزدهر ثانية نهب آثار العراق القديم. وهذه المرة لا علاقة لما يحدث بالفوضى التي أعقبت الغزو الأميركي سنة 2003، عندما سرق اللصوص المتحف الوطني ومواقع الآثار، وأحرقوا المؤسسات ونهبوها قبل ذلك، بزعم انها دولة دكتاتورية. لكنّ اللامبالاة والإجراءات البيروقراطية -كما يبدو لمراسل صحيفة النيويورك تايمز ستيفن لي مايرز- هي التي تقف وراء الحملة الجديدة لنهب تراث العراق القديم وموروثه الذي ينظر إليه العالم على أنه أول معطى حضاري بشري على وجه الأرض.
ويؤكد مايرز قوله: في العراق آلاف المواقع الآثارية، وكلها تضم كنوز الحضارات الأقدم على الأرض، لكنها تُركت بلا حماية، مما سمح للسلطات الرسمية المسؤولة عن كنوز العصور القديمة استئناف التنقيب غير الشرعي، ولاسميا في جنوبي العراق. وتبدأ المهزلة من قوات الشرطة الخاصة بكنوز الحضارات القديمة، هذه القوة شُكلت سنة 2008، لاستبدال القوات الأميركية المنسحبة، ويفترض أنها تضم نحو 5,000 عنصر مسلح ومدرب تدريباً جيداً إلا أنها حتى الآن تضم 106 فقط. فهل يكفي هذا العدد من رجال الشرطة المتخصصين لحماية قصر واحد يرجع للفترة العثمانية على الشاطئ الغربي لنهر دجلة في بغداد، وليس في مكان آخر ناء مثلاً؟. اللواء نجم عبدالله الخزعلي، قائد هذه القوة، قال بغضب: ((اجلس وراء منضدتي، وأحمي المواقع الآثارية)). وأضاف: ((بماذا أحميها؟. بالكلمات؟)). ويؤكد المراسل مايرز أن الفشل في توفير الكادر الكافي من الشرطة وتأهيلهم، ثم استخدام هذه القوة بالشكل الصحيح، والنهب المتكرر المنظم يعكس الضعف الواسع في المؤسسات الحكومية للدولة وضعف القانون، فيما يتهيأ الأميركان لسحب قواته من العراق في غضون الأشهر القليلة المقبلة. إنهم كما يقول المراسل يتركون البلد لأيدي المجهول. ويضيف: العديد من وزارات العراق ضعيفة، يكسر ظهرها الفساد، وتعيق عملها، الانقسامات على السلطة وعلى المصادر المالية والشلل السياسي الذي أصاب البلاد منذ حوالي 4 شهور يكاد يحوّل الانتخابات البرلمانية الى نقمة بدلا من أن تكون نعمة عليهم باعتبار ان الناس يختارون ممثليهم بأنفسهم وبشكل حر. ويؤكد ستيفن لي مايرز أن حالة النهب هذه تخسر العراقيين العديد من المصوغات اليدوية من حضارات بلاد ما بين النهرين، الأمر الذي يستلزم من السياسيين العراقيين (وهذه قضية ليست طائفية ولا إثينة) أن يتآلفوا على صيغة سريعة وعاجلة لحماية آثار البلد من الضياع النهائي، لاسيما أن حركة سياحية آثارية كبيرة يمكن أن يشهدها العراق إذا تحسنت الحال الامنية في البلد يوماً ما.








