صحيحٌ أنّنا استوردنا وسائل التّقنية الحديثة، وغدونا مُستهلكين مُخلصين لها، لكنّ أكثرنا مازال يفتقر إلى التّحضّر السّلوكيّ الكافي للتّعامل معها. فقد نُجيد قيادة السيّارة، لكنّنا لا نلتفت إلى أنّ قيادتها ذوق وأخلاق قبل أن تكون فنّا. وقد نتعلّم كيفيّة النّقر على أزرار الهاتف المحمول، لكنّنا نبقى جاهلين بآداب التّعامُل مع أولئك الذين نتواصل معهم من خلاله. وقد نمتلك جهاز حاسوب قادرٍ على الاتّصال بالشّبكة العنكبوتيّة الإلكترونيّة (الإنترنت)، لكنّنا نتعلّم تحريك أصابعنا على لوحة مفاتيحه قبل أن نُدرك بأنّ يدنا يجب أن تتحرّك تحت مسؤوليّة عقلٍ يحكمه احترام من نتعامل معهم في بقعةٍ أخرى من بقاع الأرض، لا بعشوائيّةٍ تنمّ عن تخلّفٍ واضح، وقصورٍ في التحضّر، وقحطٍ شديدٍ في مُراعاة مشاعر الآخرين. وإذا كان من العيب كلّ العيب أن يصدر هذا السّلوك من يدٍ جاهلةٍ بآداب التّعامل مع الشّبكة الإلكترونيّة تلك، فإنّ هذا العيب يكون مُضاعفًا حين يصدُر من جهةٍ أو أشخاص يسمعون بذلك مرّاتٍ ومرّاتٍ ثمّ يُكرّرون السّلوك ذاته غير مُبالين، كأطفالٍ غير راشدين!.
ومن أسخف السّلوكيّات العشوائيّة التي شاعت بين أيدي المُهملين سلوك المُسارعة بالتقاط كلّ عنوانٍ بريديّ يُرسل رسالةً إلى إحدى التجمّعات البريديّة الأدبيّة أو الثّقافيّة (Groups) دون أدنى استئذان، ودون دعوة، وإضافة هذا العنوان إلى تجمّعاتٍ بريديّةٍ أخرى لا تمتّ لاهتمامات صاحب هذا العنوان بأدنى صلة!.
قد يبدو هذا السّلوك هيّنًا لمُرتكبيه من اللا مُبالين، لكنّه في واقع الأمرٍ سلوكٌ شديد السّماجة إن لم يكُن في أحيانٍ كثيرةٍ على قدرٍ كبيرٍ من الوقاحة الصّريحة. ومن العيب كُلّ العيب مُضايقة مُبدعٍ أو مُثقّفٍ لا يملك من الوقت لتصفّح بريده الإلكترونيّ إلا القليل بطوفانٍ من الرّسائل الهامشيّة التي تُضيّع دقائقه في محوها، بل من العيب إتخام بريد أيّ إنسان بسيلٍ من الرّسائل السّياسيّة، أو الدّينيّة، أو الرّياضيّة التي لا توافق ذوقه ولا تُساير اهتماماته الشّخصيّة. والأسخف من كلّ ذلك أنّ أولئك القوم الذين يُضيفون عناوين الآخرين دون إذنٍ أو دعوة، يُعاودون الكرّة ذاتها كُلّما خرج صاحب العنوان من تلك المجموعة فارّا من كثرة رسائلها التي لا يهتمّ لمضمونها، ويستمرّون بإضافة عنوانه مرّاتٍ ومرّاتٍ كُلّما تخلّص منهًم، وكأنّ قضيّة الانضواء تحت مظلّة مجموعتهم هي بالإجبار والإكراه لا الهوى والرّضا وطيب الخاطر!.
وهذا وحده في كفّة، بينما أولئك الذين يلتقطون عنوانك دون إذنٍ لإضافته إلى نوافذ المُحادثة الفوريّة الخاصّة بهم (الماسنجر)، والذين توسوس لهُم أمراضهم النّفسيّة باستخدام النّسخة الماسنجريّة التي تُبدي لهّم من حظَرهُم (لفرط ثُقل دمائهم طبعًا!) ومن حذف أسماءهُم (لبوادر قلّة حيائهم كما يبدو!)، ناسين أو مُتناسين أنّ خاصّيتي الحظر والحذف لم تُضافا إلى تلك النّوافذ من باب الرّفاهية والعبث، والذين يُكدّسون عناوين أشخاص لا يعرفونهم كي يُمرّروا بهُم أكوامًا من الرّسائل التي تصلهُم من كلّ حدبٍ وصوب دون سؤال لأصحاب أولئك العناوين، في كفّةٍ ثانية.
كثيرون طرقوا هذا الموضوع من قبل، لكنّ تصاعُد عدد من يستحقّون مقولة: (حرام فيك الكُمبيوتر) اضطرّني لأن أتقدّم بالنّيابة عن زُملاء آخرين يُعاني بريدُهم مُعاناة بريدي، لعلّنا نتخلّص من تلك الفوبيا التي بدأت تزحف على نفوسنا من جرّاء رؤيتنا الشّبه يوميّة لجُملة: " لقد تمّت إضافتك إلى مجموعة.......... الإزعاج يوميّا !!".