إذا كان الشرطي وكذا الجندي يُهيئان للتعامل مع القسوة، مواجهة أو إستعمالاً ، قصد حفظ الأمن الذي كلفا به، وإذا كان رجال القانون مهيؤون ومعدون لتطبيق القانون وتكريسه ، بالعدل وبالصرامة اللازمة، فإن العاملين في الحقل الطبي، أطباء وممرضين، مهيؤون ومعدون للرحمة، التي عدوا ملائكتها. رحمة الطبيب لا تفرّق بين الناس. الكل في نظر العامل في الحقل الطبي يستوجب الرحمة التي تفترض العناية والرعاية، وبذل المستطاع لإنقاذ حياة الناس، كائن من كان هؤلاء الناس، في قمة السلم الإجتماعي أم في حضيضه، أشرارا أم أخيارا، صالحين أم طالحين ، أبرياء أم مجرمين. الطبيب يتعامل مع الإنسان من حيث هو إنسان وبغض النظر عن أي شيء آخر. المرضى، وبالأخص في المستشفيات الحكومية، وتحديدأً ضعاف الحال، هم وحدهم الذين يعطون التقييم الصادق والحقيقي للأطباء والعاملين في الحقل الطبي، لا السادة المفتشين أو المسؤلين الذين يجعلون من زياراتهم الموسمية للمؤسسات الصحية فرصة للدعاية لشخوصهم، ووسيلة للخداع . المعلومات الحقيقية عن واقع المنظومة الصحية في العراق، وما يجري في أروقة وردهات المستشفيات والمستوصفات لا تؤخد من تقارير المسؤولين، ولا حتى المفتشيتن ، وإنما تؤخذ من أفواه الناس، وتحديداً أولئك الذين لا جاه ولا واسطة لهم، والذين لا يقدرون على شراء العناية والرعاية الضرورية، وهو ما يحدث الآن في أغلب المؤسسات الطبية العراقية على إمتداد الوطن . الرقابة المطلوبة، هي ليست تلك الرقابة التي تُعلن عن نفسها، وإنما تلك الرقابة الخفية ، الكاشفة بصدق ونزاهة، التي لا تحابي و لا تأخذها في الحق لومة لائم . نعرف جميعاً الحال المزرية التي وصل لها القطاع الصحي في العراق، ونعرف درجة التدمير الذي تعرض له أثناء الحصار والحرب والإحتلال، لكننا نعرف أيضاً أن الإفساد والفساد أكمل عملية التدمير، وفي العمق هذه المرة . وحديث الفساد في المجال الصحي يصيب المتتبع له بالصدمة ، فهو لا يتعلق فقط بعمليات الرشى والعمولات في إستيراد الأدوية غير الصالحة والمنتهية الصلاحية، ولا في تسريب أدوية المستشفيات إلى الصيدليات الخاصة أو بيعها على الأرصفة، ولا إعلان مشاريع وهمية وقبض أثمانها، ولا المتاجرة بالإعضاء البشرية، ولا حرق المخازن قصد إخفاء السرقات، مثلما حدث في حرق المخازن الإستراتيجية في حي العدل، والتي تقدر قيمتها بأكثر من مائة مليون دولار، ولا في تعيين من لا يحمل الشهادات اللازمة، ولا في إستشراء ظاهرة الشهادات المزورة في مجال التزوير فيه يؤدي إلى هلاك الناس، ولا في سوء معامل المراجعين والمرضى التي تصل حد الجرائم التي يعاقب عليها القانون، ولا في شيوع الرشوة إبتداءاً من الفراش وصولاً إلى أعلى مستوى في المؤسسة ، ليس في هذا كله ، وإنما في إنهيار سمعة الطب العراقي وسمعة الطبيب ، وإحداث شرخ في العلاقة بين المواطن والطبيب بات من الصعب ردمه . الطبيب المخلص لمهنته يمكن أن يؤدي مهمته إلى حدود مرضية حتى في كوخ، أو في العراء، ولكن الطبيب الفاسد والمرتشي، الخارج عن إنسانية وعرف وقانون المهنة ، سوف لن يؤدي مهمته النبيلة حتى لو كان يعمل في أحدث المؤسسات الطبية التي ستتحوّل مع إنعدام النزاهة إلى مسالخ بشرية . لقد تعرض العراق أثناء الحصار والحرب، ومن ثم الإحتلال إلى نمط من الإبادة الشاملة المستمرة، متعددة الأشكال، ليس فقط عن طريق القتل العشوائي والمقصود، وإنما عن طرائق أخرى، لا تقل بشاعة وهمجية عن غيره، ومنها الموت إضطراراً وعجزاً لإنعدام الرعاية الصحية، ولو بحدودها الدنيا. لم يسأل أحد عن عدد الذين ماتوا جراء إنعدام الرعاية الصحية أو سوئها. يكفي أن نعرف أن معدل وفيات الأطفال في العراق الآن بمستوى معدله في جنوب الصحراء الأفريقية ، حيث لا مستشفيات ولا دواء، وأن عدد الذين يغادرون هذه الدنيا ليس بسبب إنعدام الدواء ، وإنما بسبب تناولهم لأدوية وأطعمة فاسدة، ومياه ملوثة، أو بسبب سوء العلاج والخدمة الطبية ، يفوق عدد أولئك الذين يقتلون جراء العلميات الإرهابية . تقول أحصائية لمنظمة (ميدلكت) العالمية، أن نحو 75 بالمئة من الكوادر العاملة في المجال الطبي والصيدلي قد تركوا وظائفهم منذ الإحتلال ، ولم يكن تسرب هذا العدد الهائل ، الذي لا يمكن تعويضه حتى بعد عشرات السنوات نتيجة لرغبة هذه الأعداد بالهجرة، والبحث عن فرص عمل أفضل، وإنما بسب تعرض الأطباء والصيادلة والعاملين في الحقل الصحي إلى عملية إبادة منظمة، وإستهداف مخطط له بشكل دقيق، مما دفعهم إلى مغادرة البلد وبهذه الإعداد التي شكلت كارثة وطنية بكل معنى الكلمة . من هذا الذي يستهدف الأطباء، ولأي غرض ؟ لمصلحة من يفتقد المواطن العراقي الرعاية الطبية المناسبة، حتى بحدودها الدنيا؟ أليس الأمن الصحي ركيزة من ركائز الأمن ، شأنه شأن الأمن الغذائي ؟ وإذ نجحت المؤامرة في إفراغ البلد من ثلاثة أرباع كادره الطبي والصحي ، فكيف يمكن لنا على الأقل الحفاظ على ما تبقى منه ؟ وإذ بات من الواضح مثلاً أن أي طبيب في أي مستشفى عراقي يقوم الآن بمهام أربعة أطباء، فإنه من المناسب جداً أن يكافأ العامل في الحقل الطبي بما يتناسب مع الجهد المضاعف الذي يقوم به. يجب تحصينه مادياً بحيث لا يضطر لدخول خانة المحضور ، وبموازاة هذا ينبغي منع ما يسمى بالهدايا والمكافأة منعاً باتاً، فلا يليق بالطبيب الذي يتقاضى راتبه من الدولة لقاء خدمة المواطنين أن يأخذ من المواطنين أي شيء مقابل هذه الخدمة ، بأي إسم تسمى هذا الشيء الذي يأخذه . نستطيع أن نبني عشرات المؤسسات الطبية على أحدث المواصفات، ونستطيع أن نستورد أحدث تكنولوجيا الطب الحديث، لكننا لن نستطيع بهذا إعادة الثقة المفقودة بين المواطن وهذه المؤسسات، إذا لم نبني علاقة سوية وصحية بين الكادر الطبي والمواطن، ومثل هذه العلاقة لن تحدث لوحدها، دونما تخطيط علمي وعمل ملموس، يرتكز اساساً على كون مهنة الطب مهنة إنسانية بالدرجة الأساسية ، والعاملون فيها ملائكة رحمة لا نقمة .