حول مقال "في العراق تكتمل مقاومة حزب الله" للكاتب الصحفي نقولا ناصر
نشر عدد من المواقع الألكترونية العربية مقالا للصحفي نقولا ناصر بعنوان "في العراق تكتمل مقاومة
حزب الله"[1]. وقد أعاد نشر المقال على ما يبدو بإستحسان، موقعان عراقيان يساريان وهما موقع "تضامن المرأة من أجل عراق مستقل موحد" وموقع "الكادر"، وفي المقال من مغالطات ما يجعله يستحق وقفة قصيرة.
يطالب كاتب المقال حزب الله بتوضيح موقفه من العدوان على العراق واحتلاله ويطالبه بدعم المقاومة العراقية، ويشير إلى هوية الحزب الشيعية وولائه لولاية الفقيه الإيرانية، ويصف موقف حزب الله تجاه الإحتلال الأمريكي للعراق "إما بالشراكة على الطريقة الإيرانية أو بالموالاة على طريقة الطائفية الحاكمة في بغداد". ولسنا بمعرض مناقشة طبيعة حزب الله وتطور فكره من خلال مقاومته الإحتلال الإسرائيلي وعمله السياسي وتفاعله الواسع مع المجتمع والنظام اللبنانيين ومع الوضع العام في المنطقة، كما أن موضوع الصراع الأمريكي-الإيراني وإنعاكاساته السيئة على العراق هو الآخر موضوعا شائكا بنظرنا ومحسوما بتبسيط لدى الكاتب، فالأمر الذي يهمنا هنا هو الإتهام الذي يوجهه نقولا ناصر لحزب الله ومحاولات الضغط عليه لإتخاذ الموقف الذي يروق للكاتب، ودونه يعتبر أن وطنية حزب الله ومقاومته منقوصتان ومحكومتان بسقف طائفي يجعل من الحزب في نظره سندا للإحتلال في العراق. ويحوي المقال على تحريض مبطن ضد التضامن الواسع للتيارات والشخصيات الإسلامية السنية والعربية القومية مع نضال حزب الله.
يقول الكاتب:
"إن مقاومة حزب الله في لبنان لن تكتمل إلا بدعم نظيرتها العراقية، فهذا هو الوضع الطبيعي والمنطقي السليم إذا كان العدو واحدا حقا، لكن هذا العدو لا يبدو واحدا في العراق طالما ظل موقف الحزب من غزو العراق واحتلاله غامضا وملتبسا ومبهما ومتكتما ومتناقضا".
تتوجب الإشارة هنا أولا الى أنه كلما حاول حزب الله ان يتمدد فعلياً الى خارج الحدود اللبنانية التي هي الإطار المشروع لتحركاته كلما ابتعد عن نطاق المشروعية التي يتمتع بها، اضف الى ذلك ان تلك التحركات لا تلقى ذلك الترحيب الجماهيري الذي يحظى به الحزب منذ فترة طويلة، وعلى الصعيد السياسي يمكن ان نشير الى دعوات حزب الله المتكررة للمعارضة العراقية قبيل حرب الخليج الثالثة والتي دعا فيها الى مصالحة نظام صدام حسين من اجل تفويت الفرصة على امريكا فيما عرف آنذاك بمبادرة حسن نصر الله. وخلال السنوات الاولى من الإحتلال الأمريكي الغاشم للعراق حصلت المقاومة العراقية على تأييد جماهيري واسع بما فيه تاييد المقاومة اللبنانية وحزب الله.
وكان المنعطف في اتجاه المقاومة الوطنية العراقية التي بادرت ببسالة بالتصدي للاحتلال الامريكي هو دخول مجموعات القاعدة التي تم إحتضانها من قبل المجتمعات المحلية في المناطق ذات الأغلبية السُنّية ومن قبل تنظيمات البعث، إذ أنه في بادئ الأمر (2003-2005) عندما كان الجهد الأميركي والحكومي منصبا على ضرب المناطق السنية واضعافها إمعانا في زرع الفرقة بين العراقيين، كانت الناس تلجأ الى هذه الجماعات التي أصبحت أكثر تنظيما، بإعتبارها قوة فعالة ومتمكنة من صدِ الهجمات وتثأر للضحايا والمغدورين السنة ، كما ساهم الخطاب الاعلامي للقاعدة في إجتذاب الكثير من الشباب العراقي المتحمس لمواجهة العدوان الأمريكي.
ان الانحراف الذي حل في صفوف المقاومة وحول جزءا كبيرا منها في المناطق ذات الأغلبية السنية من مقاومة الإحتلال إلى مشاريع وأوهام مرفوضة شعبيا مثل إقامة الدولة الإسلامية أو عودة النظام السابق، لم يأتِ دفعة واحدة و إنما أخذ يتمدد تدريجياً. ومع تزايد عنف وهمجية الإحتلال والضربات الحكومية وتعقد الامور على الساحة السياسية، إزداد تنظيم القاعدة حمقاً وإفساداً ، وبالعموم فإن اضطراب العمل المسلح والسياسي للمقاومة في هذه المناطق جاء نتيجة عوامل متظافرة لم تسمح لقيادة سياسية ذات قاعدة جماهيرية بالظهور وتولي زمام الأمر، والتحكم في مجرياته .
ان أزمة التيار الوطني العراقي المقاوم برزت بوضوح خلال العام 2005 لاعتماده على وبالتالي عجزه في مجابهة التيار السلفي الجهادي التكفيري الذي بدأ يسفك دماء ناس مدنيين عزل وخاصة هؤلاء الأبرياء اللذين كانوا يقصدون دور العبادة والأماكن المقدسة، وأقدم التيار التكفيري ايضاً على حملة تهجير منظمة بهدف توسيع رقعة إمارته السلفية، محفزا بذلك على حملة انتقامية مرادفة لا تقل عنفاً ودمويةً من طرف الميليشيات الطائفية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، إنتهت بقيام الإحتلال بتشييد الجدران العازلة التي هي رمز سياسته المعروفة والمجربة منذ القدم .
واستغل الجانب الحاكم حماقة تنظيم القاعدة من تفجير وتفنن في أساليب القتل والتخريب في نسبة كل أعمال العنف والارهاب الى المجتمع السني العراقي باعتباره الحاضنة لهذ ا التيار التكفيري وايضاً باعتبار تنظيم القاعدة يمثل الجانب السني المتطرف ، وقام الجانب الحاكم ببناء مؤسسات النظام الجديد على أساس الممارسات والتمثيل الطائفيين مما يضمن إستمرار حكم فئات وصلت إلى مواقعها بالتعاون مع الإحتلال. وكان في إنخراط جيش المهدي والتيار الصدري بكل من الأعمال الإجرامية الطائفية من جهة والعملية السياسية الطائفية من جهة أخرى، نهاية لأمل التلاحم فيما بين العمل السياسي ومقاومة مسلحة وطنية موحدة. وأخيرا إنحسر العمل المقاوم وإنصرفت جماعات القاعدة عن مواجهة قوات الإحتلال ومرتزقتها المتواجدين بعشرات الآلاف وانهمكت في عنف عبثي مواز لعبث وفساد العملية السياسية القائمة.
وتنبغي الإشارة أن غض النظر عن جرائم المجموعات الإرهابية التكفيرية وعن إنتشار ثقافة التكفير نفسها هي ليست خطيئة بحد ذاتها فحسب، بل إنها تحمل مخاطر إتساع الفتنة على نطاق العالم الإسلامي وتمادي العناصر المتطرفة في جرائمها لنراها تشمل الابرياء من المذاهب الصوفية والاحمدية والشيعية فى العديد من الدول الاسلامية بما فيها الباكستان وافغانستان إضافة إلى ما حصل ويحصل في العراق.
وفي خضم هذه الفوضى السياسية والمجازر اليومية والغليان الطائفي يطالب الكاتب نقولا ناصر حزب الله باتخاذ موقف متحيز لطرف من المقاومة (لا نعرف بالضبط من هو) أو ممن ركب موجتها وقادها إلى مشروع يشق وحدة العراقيين ويعزز من مواقع الإحتلال.
وفي حين يعيب الكاتب على حزب الله الإلتقاء بالتيار الصدري وجماعة الحكيم يتجاهل أن السيد حسن نصر الله أخذ الدكتور حارث الضاري مرتين بالأحضان أثناء مؤتمرين لدعم المقاومة في لبنان خلال عام 2006 وفي يناير 2010.
وهناك أيضا الكثير من المغالطات الأخرى التي يوردها الكاتب ومنها قوله:
"أن شعبية الحزب وزعيمه هي شعبية إسلامية "سنية" وقومية عربية، أكثر مما هي شيعية". ويدعم الكاتب إشارته هذه بذكر شيوخ أعلام مثل إبراهيم زيد الكيلاني (الأردن) ومحمد سعيد البوطي (سورية) وعلي جمعة (مصر) وراشد الغنوشي (تونس) وعلي بلحاج (الجزائر) وغيرهم من العلماء الأفاضل ممن أعربوا عن احترامهم وتقديرهم للسيد نصر الله.
إن هذا الكلام يحمل الكثير من التمويه والمواربة، فشعبية ودعم واسناد الحزب لم تأت إلا منمؤيديه ومناصريه في لبنان وخاصة في الجنوب. وهناك طبعا إحترام وتثمين وتقدير من قبل قطاعات واسعة على إمتداد العالم العربي بمن في ضمنهم الشخصيات التى أوردها الكاتب أعلاه. وهذا لايعني أن لدينا الحق بتحميل الحزب ما هو أكثر من طاقته وكأنه لا يكفيه مجابهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية بالإضافة إلى المؤامرات من داخل لبنان نفسه بدعم أمريكي مستمر ومتكالب.
ويبدو في فقرة أخرى من المقال وكأن السيد نيقولا ناصر يوغل في تحريض ضد الدعم الوطني العربي لحزب الله، إذ ينقل عن مقال نشره عمر ياسين الحيالي[2] في صحيفة البصائر الصادرة عن هيئة علماء المسلمين في عام 2008 يقول فيه أنه لم يسمع "أي إدانة او استنكار من حسن نصر الله عندما أحرقت المليشيات الطائفية أكثر من ثلاثمائة مسجد وقتلت أئمتها ومؤذنيها ومثلت بجثثهم.." والحقيقة أن مقال الحيالي المشار إليه مليء بالمغالطات والمطالب غير المنطقية من حزب الله بحيث يصعب فهم المغزى الدقيق من المقال. ولسنا ممن يتفق مع كل طروحات حزب الله ومنطلقاته الفكرية وإعلامه، إلا أن تشويه موقف الحزب من المجازر الطائفية البشعة التي إرتكبت من قبل الميليشيات وبعض المقاومة وممن إدعى إمتلاك الشرعية الدستورية وغيرهم، لا يخدم المصلحة الوطنية ووحدة العراقيين في مواجهة الإحتلال. لقد كان موقف حزب الله يصب في إطار درء الفتنة حين أصدر بيانه حول تفجير مقام الإمامين العسكريين في سامراء والذي إعتبره "حلقة في مسلسل الإساءات ... التي بدأت بالإساءة للرسول الأكرم"ودعا الحزب "المسلمين إلى يقظة عامة، وإلى المزيد من التوحد في ما بينهم حتى لا يقعوا في الأفخاخ التي ينصبها لهم الحلف الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة، وهذا يتطلب منهم اختزان هذا الغضب وتحويله نحو أعداء الأمة الحقيقيين." ويتضح من ذلك موقفا لا يختزل المشكلة في القوى الطائفية المحلية والإقليمية فحسب، بل يشير إلى دور الإحتلال في التحريض على الفتنة دون أن يهمل مسؤولية العراقيين أنفسهم.
وينبغي التأكيد أن الفتنة ليست من فعل طرف عراقي واحد دون غيره ولا من فعل العصابات المجرمة التي تدعي تمثيل طائفة واحدة فقط ولم تكن أيضا من صنع الأطراف السياسية المتعاونة مع الإحتلال وحدها. كذلك ينبغي القول أن جذور الفتنة تعود إلى ما قبل 2003، ولكن هذا لا يصح أن يكون مبررا لممارسات طائفية من قبل أحزاب السلطة الحالية.
ان السر وراء هجوم نقولا ناصر على حزب الله قد يتضح من قراءة مقاله المعنون "الثورة الأسلامية تمتد خارج ايران"[3]. ففي هذا المقال يتباكى الكاتب على حزب البعث العراقي ويربط فيما بينه وبين الهوية العربية الأسلامية للعراق , ويعود بنا نقولا ناصر إلى ما يشبه مقولات "البوابة الشرقية" التي دفع من خلالها صدام العراق والمنطقة إلى الحروب العبثية تاركا اسرائيل كي تنفرد بالشعب الأعزل. وخطاب هذا الكاتب حول الخطر الايراني ذو وجهين، فهو في الفقرة الأخيرة من مقاله يستنجد بقائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط ويعاتبه في آن واحد. إن تشكيك نقولا ناصر بمصداقية حزب الله الوطنية يقع في نفس سياق الخطاب الذي جاء به المتحدث بإسم البعث خضير المرشدي خلال ندوة إذاعية في آذار الماضي. هذا وتتم مسخرة مطالبة البعثيين حزب الله بدعم مشروعهم إثباتا منه على مصداقية مقاومته بإعلانهم هم عن رغباتهم في التفاوض مع الأمريكان (كما جاء في نفس ندوة المرشدي)، وأخيرا بدعوة كبير وزرائهم السابقين طارق عزيز من سجنه لأمريكا ألا تترك العراق في الوقت الحالي.
وإنه لمن دواعي العجب أن يتحمس البعض للنيل من عدو اسرائيل الاول، الجدير باللقب بعد عشرات السنين من الفشل الذريع والهزائم المتلاحقة التي منيت بها مختلف الأنظمة والأحزاب العربية. وليس بالضروره أن نتفق جميعا مع مواقف حزب الله من الصراعات والنضالات العربية ، ولكن مصداقية وفعالية هذا الحزب المتميزة في ساحة المعركة العربية الاساسية تحتم علينا الانصاف و التقدير والتثمين، وان اخر ما تنتظره هذه المقاومة مباركة بقايا النظام الذي استباح العراق وسهّل عودة الأستعمار.
أسامة الشبيبي
كامل مهدي